إصلاح التعليم أم تعليم الإصلاح ؟
لقد اتجه الحديث في العقد الأخير في معظم دول العالم، خصوصا الدول المتقدمة، إلى التركيز على نوع جديد من الاقتصاد وهو اقتصاد المعرفة، فقد ورد في عدة تقارير على سبيل المثال في فرنسا أن الرهان المستقبلي هو الاستثمار في المعرفة والعنصر البشري، وهو ما يفسر الضخم من الاستثمارات العمومية في مجالات البحوث، بل إن الأمر لم يعد يقتصر على الدولة بل على القطاع الخاص أيضا الذي انخرط في تمويل التعليم العالي والبحث العلمي، ويسجل على هذا المستوى أيضا أن الدول المتقدمة تعتمد على الجامعة ومراكز البحوث لانجاز الدراسات قبل اتخاذ أي قرار سواء تعلق بالسياسة الداخلية أو الخارجية، بحيث تكون الجامعة في قلب التحولات والتغيرات المجتمعية، وهذا الأمر اتضح كيف لعبت الجامعة دورا مهما في الحراك المجتمعي وخاصة الدول التي سقطت أنظمتها(تونس ،مصر...).
وعبر التاريخ الحركة الطلابية شكلت رقما صعبا في توجيه الثورات (إيران، فرنسا...) و إلى يومنا هذا لا زالت الجامعة تلعب دورا مهما في الحراك الشعبي في مصر التي تتمثل في حركة طلاب ضد الانقلاب، وهذا أمر طبيعي باعتبار الجامعة منبع المثقفين والمفكرين، الذين سجل التاريخ بأنهم هم قادة الثورات الناجحة.
وحينما نشخص التعليم في بلادنا نجد كل التقارير الذي أعدها المجلس الأعلى للتعليم، والتي تقرر حقيقة فشل إصلاح التعليم بكافة مستوياته وأسلاكه. وأعتبر إصلاح التعليم ببلادنا كمدخل أساسي من مداخل الخروج من الأزمة التي عبرت عنها حينها بالسكتة القلبية، فكل مخططات التي ترمي لإصلاح التعليم لم تحقق هدفها ومبتغاها نتيجة تضافر مشكلات متعددة ومختلفة، لكن الفشل ناتج أساسا عن عدم صواب المنهجية التي اعتمدت في الإصلاح والقائمة على التوافق، في ملف يحتاج إلى جرأة في اتخاذ القرار، وحسم في المرجعية وأسس دعائم الإصلاح. فالنهوض بالرسالة العلمية والتربوية للجامعة المغربية هدفا مركزيا للمفكرين والمثقفين وقضية أساسية في اشتغالهم النضالي والعلمي، باعتبار ذلك شرطا لتحقيق النهضة والتحرر والإصلاح المنشود، فمالك بن نبي يعتبر أن الأمة التي لا تقرأ تموت قبل أوانها، ونجد كذلك جبران خليل جبران يركز بالقول أن للمجتمع ثلاث ركائز إذا أراد التقدم ،" فلاح يغذيه وجندي يحميه ومعلم يربيه "، فالجامعة تحتاج إلى تضافر الجهود عبر آلية الحوار والإنصات المتبادل من أجل جامعة تكون قادرة على أداء دورها المصيري والتاريخي في تحرير الأمة من الجهل والتخلف واستشراف آفاق التحرر والنهضة. فالسياق بعد الربيع الديمقراطي، يشكل فرصة للحركة الطلابية من أجل بناء مواقف مبنية على أرضية علمية صلبة، تجعل الحركة الطلابية قادرة على التعاطي العلمي مع إشكالات ورهانات الجامعة الوطنية ،وهي لحظة علمية مفارقة للقطع مع المواقف الجاهزة والمجانية.
إن اختلالات التعليم ببلادنا متعددة ومتنوعة، أجمعت عليها كل التقارير الرسمية والغير الرسمية، كتقرير الخمسينية الذي أصدرته الدولة، والذي اعتبر مجمل الإصلاحات التي عرفتها الجامعة المغربية طيلة الخمسين سنة الماضية، لم تتمكن من تحقيق أي من الأهداف التي سطرتها، باستثناء المبدأ الكمي المتعلق بمغربة الأطر التربوية، وهذه الإختلالات تظهر في كل الأوضاع، الوضع الاجتماعي للطالب متردي، والوضع البيداغوجي متطفل، الحقوقي متذبذب، واللغوي مرتجل، أما البحث العلمي فهو متخلف.
إن الخلاصة الأساسية من خلال استعراض هذه الإختلالات تجعلنا نؤكد أن التعليم ببلادنا يعرف أزمة خانقة، تحتا
ج إلى تظافر الجهود للخروج منها، ووضع التعليم ببلادنا في السكة الصحيحة، حتى تصبح الجامعة هي المحضن الطبيعي والأساسي لأي مشروع تحرري ونهضوي، لما توفره كفضاء للعلم والبحث العلمي ومناخ لإنتاج الأفكار الكفيلة برسم خطط التنمية للخروج من التخلف الذي يتخبط فيه المغرب على مستويات عديدة. فالجامعة كذلك مجال لتخريج النخب في كافة المجالات والمستويات، بما يعنيه ذلك إعطاء للجامعة دورها في الإسهام في الترقية الاجتماعية والاندماج المهني في مختلف السياقات المجتمعية .
Aucun commentaire